شعر حازم السهرة بأنه يعيش أجمل أيام حياته، وقد سماه ربيع العمر، وذلك بعد أن اشترى ثورا من الطراز الرفيع بالأدب والأخلاق، ويوما بعد يوم ترسخت بينه وبين الثور علاقة أخوية شرسة. كان يطعمه بيده ويأخذه إلى المراعي العشبية اللذيذة، ويشتري له كل ما يلزم لثور شاب. وأصبحت علاقتهما وثيقة لدرجة أنه قد نسي أصدقائه والانترنت بالرغم من أنه كان مدمنا عليه، ومع مرور الشهور أصبح يتمنى لثوره ما يتمنى لنفسه، فحين كان يشرب كاس كان يتذكر ثوره المسكين فيضع عرق في ماء الشرب للثور عسى أن يسعد أخوه بالطبيعة، فكان الثور ينظر إليه نظرة حب ووئام وبعاطفة حقيقية، وأحيانا إذا زادت كمية الكحول كانت عينيّ الثور تدمع ويقترب من حازم بمحبة، ويجلس عند قدميه باطمئنان ومحبة لا مثيل لها إلا في أفلام هوليود.

وذات يوم وبينما تمدد حازم يداعب ثوره الحبيب بكل عاطفة، جاء وبشكل مفاجئ صديقه جهاد المسكين الذي استفقده. جاء سعيدا يختال بنفسه، ويلبس كنزة حمراء واسعة ترفرف أطرافها بفعل نمسات البريّة السعيدة، وما إن شاهد الثور اللون الأحمر حتى هاج وجن جنونه. صرخ حازم صرخة رعب، وأخذ يركض بذعر، وعندما رأى جهاد ذلك المنظر ركض هو الآخر وبنفس الاتجاه فصرخ حازم بحنق شديد: يا بغل اركض بالجهة الأخرى. إلا أن رعب جهاد لم يساهم في استيعاب الفكرة بالإضافة إلى بعد مسافة أي شيء بالاتجاه المعاكس، وقبل أن يدعس الثور صاحبه الحبيب ونديمه الوحيد كان حازم قد تسلق إلى سطح بيته الصغير بينما دخل جهاد إلى البيت وأغلق الباب خلفه، فخلعه الثور بضربة لا رجعة فيها ودخل البيت. خرج جهاد بسرعة من النافذة وتسلق هو الآخر إلى السطح بمساعدة حازم الذي كان يسب ويلعن جميع مكونات الطبيعة.

- حازم: عمى في عيونك ما أجحشك؟ حيوان يعني أنت؟
- رد جهاد بذهول: ماذا يحدث؟ مين أين جاء هذا الفدان؟
- بل أنت الفدان يا بغل كيف تأتي بكنزة حمراء ألم تشاهد بعمرك مصارعة ثيران؟
- عن ماذا تتحدث؟ من أين خُلق هذا الحيوان؟
- اسمع… إنه يكسر محتويات الصالون…لقد قلت لنفسي أن صداقة الحيوانات أفضل من صداقة الإنسان.
- هل افهم من كلامك أنك انتسبت الى جمعية صداقة الحيوان؟
- يا حيوان الثور يكسر بيتي وأنت تمزح وتنكّت؟
- لا أمزح ثم على أساس أن لديك محتويات في بيتك؟ لا يوجد لديك إلا كم كرسي وصوفا قديمة!
- تلفزيون وخزانة…
- ومستعلمين أيضا!
- ماذا تقصد؟
- من أين هبط هذا الثور؟ وماذا جاء به إلى أرضك؟
- يجب أن تسأل من أين هبطت أنت؟ وماذا أتى بك إلى أرضي؟
- هل أصبحت تفضل صداقة فدان على صداقة رفيقك الغالي؟

وقبل أن يجيب حازم خرج الثور من الباب وقد هدأ تماما، وعاد إلى موقعه حيث كان قبل أن تثور ثائرته، فقال حازم بصوت منخفض: انخفض يا بغل ولا تجعله يراك واخلع كنزتك الفضفاضة الغبية واتركها على السطح، وضع فوقها حجر لكي لا تطير، ثم هبط إلى الأرض واتجه إلى صديقه وعانقه والدمعة تنهمر على عيني حازم والثور في آن واحد، وقال له بأسف حقيقي: صديقي جهاد لا يعرف أفكاركم حول اللون الأحمر ودلالته.
خلع جهاد كنزته وهبط من السطح واتجه بحذر باتجاه حازم وثوره، وقف أمام مشهد المحبة والصداقة وقال لحازم: أنا آسف يا حازم، لم أعرف أن غيابك كل تلك الفترة كان بسبب محبتك للحيوانات الهائجة!
أغمض حازم نصف عينيه، وهو يحاول التصبر على الإهانة، ثم تمتم قول نيتشه: فعلا الإنسان هو أسوأ الحيوانات.