قرر الشباب الطيّبة زيارة صديقهم “ميشو قميص” في ضيعته فاتصلوا بقاسم النصيب الذي كان يعاني الأمريّن في الكراج بانتظار دوره، فقال: والله جئتم بالوقت المناسب خمس دقائق وأكون هناك لا تتأخروا..أبشع شيء في الحياة عندي هو أن يتأخر أحدهم عن موعد معي.
عندما دوّر السرفيس اكتشف أن دوره قد أتى، فجمع الركاب وانطلق في خطه.
وصل متأخرا، فوجد الشباب ينتظرونه على الطريق والنقمة في عيونهم، فقال ببراءة: ما بكم؟
***
ركبوا بامتعاض وبلا أي تبادل للحديث معه، طار بسرفيسه وعلى الطريق توقف وسط مفاجأتهم، وسألته صبيتين من الحارة إحداهما تعرفه: كيفك قاسم؟
قال قاسم: تمام، لوين رايحين؟
قالت: الى الحارة الشمالية.
فقال قاسم على الفور: اذا نحن ذاهبون في الطريق نفسه سأوصلكم.
قالت الصبية الثانية: لكنك متوجه نحو الجنوب.
قال قاسم: لا أبدا الشباب طلبوا لفة صغيرة بالحارة.
نظرت الصبيتين الى الشباب المندهشين فاستبدلوا دهشتم بابتسامة مودة.
وضع قاسم على الفور أغنية زمر وأخذ يقدم ويؤخر حتى وصل الى المقطع المطلوب ونظر في المرآة إلى الصبية السمراء التي تعرفه، فابتسمت له عندما سمعت كلمات الأغنية التي تتغنى بالسمر.
بعد أن أنزلهما هجم عارف الكاس وحازم السهرة على قاسم وأرادوا خنقه وهو جالس وراء المقود، فرّكب غيار وانطلق بسرعة ثم ضغط على الكوابح فارتمى حازم وعارف في السرفيس بشدة على جهاد المسكين الذي قال: والله يا قاسم لن اركب معك بعد اليوم! ما هذا التعامل المنحط الذي نحظى به؟
قال قاسم هامسا لنفسه: لمؤخرتي إذا لم تركبوا معي.
وصلوا إلى ضيعة ميشو ونزلوا مباشرة إلى كوخه الصيفي القصبي الذي نصبه في الأرض المجاورة لمنزل عائلة “قميص”، واستوقفهم العلم الكبير الذي رفعه صديقهم على قصبة طويلة وقد تجزأ العلم بسبب الرياح إلى ثلاث أقسام كل لون يرفرف لوحده.
قال عارف: واضح الوطنية تنزّ من صديقنا ميشو. ووصلوا إلى باب التنك الخاص بالكوخ ودقوه.
سمعوا صوت ضجة ناتج عن حركة مريبة في داخل كوخ القصب، وعندما دق حازم مرة أخرى فتح ميشو . عيناه وخداه حمراوان وشعره منكوش!
قالوا: كيفك زميل؟
ميشو: أهلين بالشباب لماذا لم تتصلوا بي قبل!
قال قاسم وقد تجرأ على الكلام: كل هذه الصرعة ولم تتصلوا به مسبقا.
أسكتوه بنظرات حاقدة وعادوا الى ميشو: ما بك ألا نستطيع الدخول؟
وبتربك واضح ووجود صوت شيء ما يتحرك داخل الكوخ كأنه يحاول الهرب أو الاختباء:
آسف يا شباب..أنا جد آسف.. لدي دراسة وامتحاني قريب جدا أعتذر منكم جدا!
سأل جهاد: أيه دراسة لقد خلصت جامعة من ثمانية سنين؟
ميشو: نعم أنا أدرس ماجستير بالجامعة الافتراضية!
فهم حازم ذو الخبرة بالحب الموضوع فلمّ الشباب الذين حاولوا رؤية ماهية دراسة ميشو وجمالية اختصاصه وتناسق مكوناته وذوق صديقهم الدراسي، قال حازم: لا نريد ان نلهي صديقنا ميشو..بالتوفيق يا زميل.
ابتعدوا وسط خيبة شديدة لأنهم لم يستطيعوا رؤية دراسة صديقهم أولا، ولأن سهرتهم المنشودة باءت بالفشل، وقبل أن يصلوا إلى السرفيس عاد عارف الى بيت العائلة ودقّ الباب. فتح أبو ميشو الباب رحّب بهم وطلب منهم الدخول.
قال عارف: شكرا أبو ميشو الحبيب كنا نريد السهر مع ابنك ميشو ولكن اقتراب امتحانه وحبه للدراسة منعنا من السهر معه!
قال ابو ميشو العجوز: أية دراسة؟ دراسة ماذا يا عم؟
ودعه عارف وعاد الى الشباب، وتوجه أبو ميشو قلقا الى الكوخ.
ركبوا السرفيس. قال الشباب لعارف: لماذا فضحت الرجل؟ هذا تصرف لئيم منك.
قال عارف: لا بالعكس يا رفاق أنتم تعرفون أن والده متديّن لذلك فقد أخبرته لكي يدعي له بالتوفيق!! فهل تظنون أن الطالب ينجح من وراء دراسته؟
قال جهاد: أكيد من “وراء” شيء آخر..
تابع عارف: طبعا!
ضحك الشباب بسعادة بعد هذا التلميح الخبيث، فقال عارف: أنا أقصد بالشيء الآخر الدعاء… كيف فهمتم أنتم الموضوع يا أنذال؟