أراد مازن أن يتشرد وأن يعيش حياة مشرد حقيقي. كان هذا حلمه منذ الأزل، وانتظر لحظة الصفر طويلا.
عندما أفلس عرف أنها اللحظة المناسبة التي اختارها له القدر، فاتجه إلى الطريق العام ومشى حوالي مائتي متر وتعب إذ أنه لم يسبق له أن مشى هذه المسافة! وهو معتاد على الدراجة النارية.
وقف وهو يلهث وقال لنفسه: يا الله ما أصعب التشرد في القرن الواحد والعشرين. خاصة عندما ترى هذا الكم غير الصحي من السيارات والسرافيس تمرّ بجانبك على الطريق، عليّ أن أمشي مائة متر أخرى لأصبح مشردا حقيقا.
شد أعصابه وتناسى تعبه، وأكمل مائتي متر أخرى وجلس تحت شجرة صنوبر يرتاح. جلس بجانبه رجل ينتظر ميكرو باص وسأله: إلى أين أنت ذاهب يا معلم؟
قال مازن: أنا متشرد وليس لي أي جهة آوي إليها.
قال الرجل: وكيف هي حياة التشرد؟
مازن: إنها قاسية جدا!
تابع مازن مشيه إلى أن وصل إلى ضيعة فدقّ أحد الأبواب وطلب شيء يؤكل!
نظرت إليه المرأة التي فتحت الباب، وقالت: لماذا لا تعمل؟ هل تريد أن تعمل؟
أصابه السؤال بالحيرة فهو لا يعرف إن كان مسموحا للمتشردين أن يعملوا، فقال: هل لديك ولد يعرف الشغل على النت؟
قالت المرأة متنهدة: يا سيد إنه لا يتحرك من أمام الشاشة، ثم نادته فأتى يشحط شحاطته بكسل كمن يعاني من المشي.
قال مازن: يا صديقي أرجوك أن تبحث في النت إذا كان مسموحا للمتشردين العمل أم لا؟
حك الولد رأسه قائلا: على ما أعتقد في أمريكا لا يعملون؟
قالت المرأة: ابحث لعمك عن الموضوع بسرعة هنا بالبلد وليس بامريكا، ثم جلبت لمازن سندويشة ليأكلها.
بحث الصبي بدون جدوى، فقال: لم أجد شيئا في ميثاق الأمم المتحدة عن الموضوع.
هز مازن رأسه أسفا، وقال: الدول الاستعمارية تحتكر المعلومات كلها… عموما لن أعمل حتى أتأكد من الموضوع!
تابع مشيه في الوادي حتى وجد شابا معه دفتر وقلم.
قال مازن في نفسه: يبدو أنه متشرد وإذا كان كذلك فقد وجدت صديقا متشردا يرافقني في سفراتي.
- سأله: هل أنت متشرد يا أخي؟
- لا أنا شاعر.
- وماذا تفعل بهذا الدفتر والقلم؟
- أكتب شعرا. هل تكتب شعر أنت أيضا؟
- أنا؟ لا أعرف فقد بدأت التشرد منذ فترة غير طويلة.
- كل المتشردين الذين أعرفهم يكتبون شعرا.
- حقا؟ هذه المعلومة مهمة جدا. طيب طالما أنه لديك معلومات واسعة حول التشرد أريد أن أسألك سؤال.
- تفضل.
- هل يحق للمتشرد أن يعمل؟
- طبعا لا.. العمل بحاجة إلى استقرار ثم يصبح روتين، أما التشرد فهو يقوم على عدم الاستقرار والجوع والمعاناة.
- يتهيأ لي من كلامك ومعلوماتك الموسوعية أنك متشرد كبير.
- في داخلي أكبر متشرد عرفه التاريخ.
- إذاً نحن زملاء تشرد.
- أكيد. تعال معي إلى الطريق سآخذك لتناول الغداء.
- لقد أطعمتني السيدة هناك سندويشة.
- سندويشة يا رجل؟ تعال معي.
تحركوا باتجاه الطريق باتجاه أعلى السفح، وهناك على الطريق وقفت سيارة فخمة فتحها الشاب وقال لمازن: اصعد يا أخي!
فوجئ مازن: هل هذه السيارة لك؟
قال الشاب: هذه السيارة هدية من أبي بمناسبة خطوبتي.. اصعد فطالما أحببت المتشردين، وأريد أن أعرفك على والدي إنه يعشق التشرد.
مازن: وأين يسكن والدك؟
قال الشاب: هل ترى الفيلا الضخمة هناك في أعلى الجبل.
نظر إليها مازن ثم قال: نعم.
الشاب: يسكن هناك.. سيفرح كثيرا بالتعرف إلى متشرد حقيقي!





أودعت أم الحبيب ابنها الصغير الرضيع الحبيب على الأرض بإشراف أبو الحبيب الذي نقع كاسة متة، ونظر الى ابنه الحبيب بشغف، وبعناية فائقة وضعه في ساحة الصالون حيث لا يوجد ما يصطدم به. جلس يشاهد فلم أمريكي قتل فيه البطل جيشا كاملا وانتقل إلى الجيش الآخر، وها هو يكاد ينجح بتصفية الجيش الثاني بمعجرة أمريكية، وعندما كاد أن يموت الأمريكي الذي لا يقهر، وقبل أن يضغط زعيم المتمردين الزناد ليقتل البطل قفز من المياه قرب النهر تمساح بحجم فيل وربع وافترس الزعيم فتنفس كل من أبو الحبيب والأمريكي المعجرة الصعداء.
وأخيرا فقعت الطبة مع الشعوب..
